عمر فروخ

569

تاريخ الأدب العربي

- وقال يصف ليلة أنس كان المطر فيها كثيرا والبرد شديدا : ولقد نعمت بليلة جمد الحيا * في الأرض فيها ، والسماء تذوب « 1 » . جمع العشاءين المصلّي ، وانزوى * فيها الرقيب كأنّه مرقوب « 2 » . والكأس كاسية القميص كأنّها * قدرا ولونا ، معصم مخضوب « 3 » . هي وردة في خدّه ، وبكأسها الد * ( م ) درّيّ منها عسجد مصبوب « 4 » منّي إليه ، ومن يديه إلى يدي ؛ * فالشمس تطلع تارة وتغيب « 5 » . - ولابن شرف في نقد الشعر : أوّل ما عليه تعتمد وإيّاه تعتقد ألّا تستعجل باستحسان ولا استقباح ولا باستبراد ولا باستملاح حتّى تنعم النّظر وتستخدم الفكر . واعلم أن العجلة في كلّ شيء موطئ زلوق ومركب زهوق « 6 » : فإنّ من الشعر ما يملأ لفظه المسامع ( ثمّ لا ) يرد على السامع منه ( إلّا ) قعاقع . فلا يدعك ! ! « 7 » شماخة مبناه وانظر إلى ما في سكناه من معناه ، فإن كان في البيت ساكن فتلك ( هي ) المحاسن ، وإن كان خاليا فاعدده جسما باليا . وكذلك إذا سمعت ألفاظا مستعملة وكلمات مبتذلة فلا تعجل باستضعافها ؛ فكم من معنى عجيب في لفظ غير غريب . والمعاني هي الأرواح ، والألفاظ هي الأشباح ؛ فإن حسنا فذلك الحظّ الممدوح ، وإن قبح أحدهما فلا يكن الروح ! .

--> ( 1 ) الحيا : المطر . السماء ( الغيوم ) تذوب ( تسقط ماء ) . ( 2 ) جمع العشاءين ( صلاة المغرب وصلاة العشاء ) لمشدة البرد ( كيلا يصليهما بوضوءين ( ؟ ) ) . انزوى : جلس بعيدا في زاوية . الرقيب : الحارس ( المكلف بمراقبة الناس ) كأنه مرقوب ( كأن أحدا يراقبه ) . ( 3 ) والكأس كاسية القميص : جمدت حولها ( أو فيها ) نقط الخمر فكأنها ( ببياض زجاجها معصم امرأة بيضاء جميلة وبلون الخمر فيها مخضوبة بالحناء ) . ( 4 ) الدّرّيّ : الذي يشبه الدر ( اللؤلؤ ) : الأبيض . العسجد : الذهب . ( 5 ) الشمس ( كناية عن الخمر ) . تطلع تارة ( مرة ) تصب في الكأس . وتغيب ( تنسكب في أفواهنا : نشربها ) . ( 6 ) زلوق : تزلق فيه قدم السائر . زهوق : زائل ( ؟ ) . ( 7 ) القعقعة : الصوت ( الذي لا فائدة منه ) . يدعك ( كذا في الأصل ) ، ولعلها : يرعك ( بفتح فضم فسكون ) : يخفك ، يعجبك .